“طلقني وقال: إنتِ مش كفاية… فخسِر ابنه وثروته وكل اللي بناه!” ج3 حكايات شروق خالد

في نص الليل…

القصر كله كان غرقان في هدوء تقيل.

ياسين كان قاعد في مكتبه، قدامه صورته يوم افتتاح أكبر شركة في المجموعة.

ابتسم بمرارة، وهمس:

ـ معقول كل ده يضيع؟

في نفس اللحظة، الباب خبط.

دخل كبير الأمن.

ـ يا فندم… في لجنة من الرقابة المالية بره، ومعاهم أمر بتفتيش مكاتب الشركة.

غمض ياسين عينيه.

كان عارف إن النهاية قربت.

…

تاني يوم…

المحكمة كانت زحمة بشكل عمرها ما شافته.

الصحفيين واقفين بالطوابير.

وأول ما وصلت أنا، شايلة سيف، الكاميرات كلها اتوجهت ناحيتي.

واحدة من الصحفيات سألتني:

ـ مدام نورا… حضرتك ناوية تتنازلي لو ياسين اعتذر؟

بصيتلها بثبات.

وقلت:

ـ أنا مش بحارب عشان أنتقم… أنا بحارب عشان الحق يرجع لأصحابه.

الكلمة دي انتشرت في كل المواقع.

…

دخلنا الجلسة.

القاضي قعد، وقال:

ـ بعد مراجعة المستندات، المحكمة قررت استدعاء خبير حسابي مستقل لفحص جميع شركات الهواري.

محامي ياسين حاول يعترض.

لكن القاضي قال بحزم:

ـ الأدلة الموجودة كافية لاستكمال التحقيق.

وفجأة…

وقف راجل في آخر القاعة.

كان لابس بدلة شيك.

وقال:

ـ يا سيادة القاضي… أطلب الإذن بالكلام.

القاضي سأله:

ـ حضرتك مين؟

رد:

ـ اسمي عمرو عزت… المدير المالي السابق لمجموعة الهواري.

أول ما ياسين شافه، وشه اتغير.

لأنه كان فاكر إن عمرو سافر بره مصر ومش هيرجع.

قال عمرو:

ـ استقلت من الشركة من سنة… لأني رفضت أشارك في تزوير الميزانيات.

وأخرج فلاشة صغيرة.

ـ كل حسابات الشركة موجودة هنا.

القاعة كلها سكتت.

القاضي أمر بضم الفلاشة للقض*ية.

أما ياسين، فبدأ يتصبب عرق.

…

بعد انتهاء الجلسة…

وأنا خارجة، لقيت ياسين واقف مستنيني.

وشه كان مرهق، ودقنه طالعة، وعينيه كلها ندم.

قال:

ـ نورا… خمس دقايق بس.

وقفت، لكن من غير ما أقرب.

قال بصوت مكسور:

ـ أنا ظلمتك.

سكت شوية، وكمل:

ـ وظلمت ابني.

مد إيده ناحية سيف.

لكن سيف كان متعلق في رقبتي، ومش فاهم مين الراجل ده.

ياسين دموعه نزلت لأول مرة.

ـ هو حتى مش عارفني.

رديت بهدوء:

ـ الأطفال بيعرفوا اللي كان جنبهم… مش اللي افتكرهم بعد فوات الأوان.

نزل برأسه للأرض.

وقال:

ـ اديني فرصة أصلح كل حاجة.

قلت:

ـ في حاجات ممكن تتصلح… لكن العمر اللي ضاع، والثقة اللي اتكسرت، عمرهم ما بيرجعوا زي الأول.

وسبته ومشيت.

…

بعد أيام قليلة…

الخبير الحسابي سلّم تقريره للمحكمة.

ولما القاضي فتحه، ساد الصمت.

التقرير أكد وجود مخالفات مالية كبيرة، وتحويلات مشبوهة، ومستندات تحتاج لتحقيق جنائي.

وفي نهاية الجلسة، قال القاضي:

ـ تؤجل الق*ضية للنطق بالقرارات بعد استكمال الإجراءات، مع استمرار التحفظ على الأموال والمنع من التصرف فيها.

خرج ياسين من المحكمة محاطًا بالحراس.

ولأول مرة، مفيش حد بيجري يسلم عليه أو يجامله.

كل واحد كان بيبعد عنه.

أما أنا، فبصيت لسيف وهو بيضحك في حضني، وقلت لنفسي:

“يمكن ربنا أخّر العدل… لكنه عمره ما بينساه.”

وكان واضح إن الفصل الأخير من حكاية ياسين الهواري… لسه ما اتكتبش.

حكايات شروق خالد

بعد أسبوع…

وصل استدعاء أخير.

الجلسة دي كانت مختلفة.

الكل كان عارف إن فيها القرار اللي هيغير كل حاجة.

دخلت المحكمة وسيف في حضني، وأبويا ماشي جنبي.

أما ياسين…

كان داخل لأول مرة من غير حرس، ومن غير رجال أعمال حواليه.

حتى الحاجة جليلة كانت ماشية وراه، لكن ملامحها كلها انكسار.

…

القاضي دخل.

الجميع وقف.

وبعد ما قعد، قال:

ـ بعد الاطلاع على التقارير، وسماع الشهود، ومراجعة المستندات…

ساد صمت رهيب.

وقال:

ـ ثبت للمحكمة وجود مخالفات مالية جسيمة، وتقرر إحالة الملف للنيابة المختصة لاستكمال التحقيقات الجنائية، مع استمرار التحفظ على الأموال محل النزاع.

وش ياسين بقى أبيض.

لكن القاضي لسه مخلصش.

ـ أما بالنسبة لدعوى السيدة نورا…

فقد ثبت حقها وحق نجلها في جميع المستحقات القانونية، مع إلزام المدعى عليه بالنفقة، وإثبات حقوق الطفل كاملة وفقًا للقانون.

ابتسمت لأول مرة.

مش عشان الفلوس…

لكن عشان ابني هيكبر وحقه محفوظ.

…

بعد الجلسة…

خرجت من المحكمة.

لقيت ياسين بيجري ورايا.

ـ نورا… استني.

وقفت.

قال وهو بيبكي:

ـ أنا خسرت كل حاجة.

رديت:

ـ لا…

إنت خسرت كل حاجة يوم خنت الإنسان الوحيد اللي كان بيحبك بصدق.

قال:

ـ سامحيني.

ابتسمت ابتسامة هادئة.

ـ أنا سامحتك من زمان… عشان أقدر أعيش.

لكن المسامحة مش معناها إننا نرجع لبعض.

الكلمات دي نزلت عليه زي الصاعقة.

عرف إن الباب اتقفل للأبد.

…

مرت ست شهور.

رجعت أفتح مكتب المحاماة بتاعي.

الناس كانت بتيجي من كل مكان عشان أوكلها.

واحدة من السيدات قالتلي:

ـ اخترناك لأنك وقفتي وخدتي حقك.

ابتسمت وأنا ببص لسيف، اللي كان بيجري في المكتب ويضحك.

…

أما ياسين…

فكان عايش في شقة صغيرة بعد ما اتباع معظم ممتلكاته لسداد الديون.

كل يوم يبص من الشباك، ويشوف صورته القديمة في الجرائد، ويقارنها بواقعه.

وفي يوم…

سمع خبط على الباب.

فتح.

لقى ولد صغير واقف مع بوكيه ورد.

قال:

ـ حضرتك ياسين بيه؟

هز راسه.

الولد إداله الظرف وجري.

فتح الظرف بسرعة.

كان فيه صورة لسيف في أول يوم مدرسة، لابس الزي المدرسي وبيضحك.

ومعاها ورقة صغيرة بخط نورا:

> “مش بعت الصورة عشان أوجعك… بعتها عشان تفتكر إن أعظم خسارة في حياتك ما كانتش الشركة ولا الفلوس… كانت إنك ضيعت فرصة تشوف ابنك وهو بيكبر.”

 

وقع الظرف من إيده.

وقعد على أول كرسي، وانهار في البكاء.

ولأول مرة…

ما كانش بيبكي على ثروة ضاعت…

كان بيبكي على عمر، مستحيل يرجع.

حكايات شروق خالد

عدت سنتين…

وسيف كبر، وبقى طفل جميل، عيونه فيها نفس لون عيون أبوه… لكن طباعه كانت هادية زيي.

كل يوم الصبح كان يمسك إيدي وهو رايح المدرسة ويقول:

ـ ماما… هو أنا معنديش بابا زي صحابي؟

السؤال ده كان بيوجعني.

لكن عمري ما حبيت أزرع جواه كره.

كنت أربت على شعره وأقول:

ـ عندك بابا… وربنا يهديه ويصلح حاله.

…

أما ياسين…

فبعد التحقيقات، صدر ضده حكم بالسجن في قضايا التلاعب المالي.

الحاجة جليلة باعت آخر قطعة أرض كانت باسمها عشان توكل له أكبر المحامين.

لكن الأحكام كانت أقوى من أي نفوذ.

ولأول مرة، عيلة الهواري فقدت الهيبة اللي كانت عايشة بيها سنين.

…

في يوم مطر…

كنت قاعدة في المكتب، السكرتيرة دخلت وقالت:

ـ يا أستاذة نورا… في راجل مصر يشوف حضرتك.

قلت:

ـ دخليه.

فتح الباب…

ودخل ياسين.

كان أضعف بكتير.

شعره كله شاب.

ووشه مليان تعب.

واضح إن السنين عملت فيه اللي معملتوش الأيام.

وقف قدامي وقال:

ـ خرجت من السجن من أسبوع.

سكت شوية.

ـ وكل يوم كنت بفكر في سيف.

بصيتله من غير أي تعبير.

قال:

ـ مش جاي أرجعك… أنا عارف إن الباب اتقفل.

أنا جاي أطلب طلب واحد.

ـ إيه هو؟

نزل دموعه وقال:

ـ أشوف ابني… حتى لو من بعيد.

…

سكت شوية.

كان القرار صعب.

لكن افتكرت إني طول عمري كنت بدور على العدل… مش الانتقام.

قلت:

ـ لو المحكمة وافقت، ولو سيف نفسه ارتاحلك… مش همنعك.

رفع رأسه بسرعة.

وكأن أول شعاع نور دخل حياته من سنين.

…

بعد أسابيع…

اتحدد أول لقاء.

كان في جنينة كبيرة.

سيف كان بيلعب بالكورة.

وياسين واقف بعيد، إيده بترتعش.

قلت لسيف:

ـ في عم عايز يسلم عليك.

جري سيف ناحيته.

وقف قدامه وقال ببراءة:

ـ إنت زعلان ليه يا عمو؟

ياسين نزل على ركبته.

دموعه نزلت من غير ما يحاول يخبيها.

قال:

ـ أصل… أنا ضيعت حاجة غالية أوي.

سيف مد إيده الصغيرة ومسح دموعه.

وقال:

ـ متعيطش… ماما بتقول الرجالة الجدعة مبتزعلش حد.

الكلمة نزلت على قلب ياسين كأنها سكين.

بصلي من بعيد.

أنا هزيت راسي بس.

مفيش رجوع…

لكن مفيش منع من إن طفل يعرف أبوه، طالما ده في مصلحته.

ومن يومها…

بدأ ياسين يحاول يبني علاقة مع سيف خطوة بخطوة.

مش كزوج رجع…

لكن كأب بيحاول يصلح جزء صغير من أخطاء عمر كامل.

أما أنا…

فكنت كل ليلة أبص لابني وهو نايم، وأحمد ربنا إن النهاية ما كانتش نهاية حب…

كانت بداية حياة جديدة، اتبنت على الكرامة، والحق، واحترام النفس.

تمت.

“طلقني وقال: إنتِ مش كفاية… فخسِر ابنه وثروته وكل اللي بناه!”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *