حكايات مني السيد ج1

لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها…

إن ورا كل اللي حصل سر كبير.

وسر مربوط بحساب بنكي فيه مبلغ يقرب من نص مليون جنيه.

والحساب ده…

كان باسمي أنا.

يتبع…

الجزء الثاني
مسكت إيد مريم وشديتها ورايا بأكبر قدر ممكن من الهدوء اللي قدرت أتصنعه في اللحظة دي. كنت حاسس إن جسمي كله بيغلي، وشرار طالع من عينيّ، بس عارف كويس إن اللحظة دي لو صرخت فيها أو دخلت في خناقة إيدين مع كريم، حق مريم يضيع والسر اللي مخبيينه هيستخبى أكتر.
أمي فضلت واقفة مكانها، عينيها بتترعش بيني وبين مريم، وكريم أخويا حاول يمثل القوة ويزعق:
— أنت اتجننت يا أحمد؟! عشان حتة بت زي دي تقلب السفرة وتتكلم مع أمك كده؟!
بصيت له بصة واحدة خلته يرجع خطوة لورا. صوتي خرج واطي، بس حاد زي الموس:
— الحساب بيننا مبدأش عشان ينتهي دلوقتي يا كريم. أقسم بالله العظيم، كل نقطة دموع نزلت من عين مراتي، وكل علامة على جسمها، هتدفعوا تمنها غالي أوي… وبأسرع مما تتخيلوا.
خدت مريم وطلعت بيها على فوق. كانت بتترعش بشكل يوجع القلب، إيديها تلمس إيدي تلاقيها زي التلج. دخلتها الأوضة، قفلت الباب بالمفتاح، وجبت فوطة ناشفة وقميص دافي من بتوعي. قعدتها على طرف السرير وقعدت قصادها على ركبي، ونضفت الطين اللي كان معلم على إيديها ووشها بالراحة.
مريم كانت بتبص لي بخوف، دموعها نازلة من غير صوت، وفي الآخر قالت بنبرة مكسورة:
— أحمد… والله أنا ما كنتش عايزة أعملك مشاكل مع أهلك. أنا عارفة أنت بتحبهم قد إيه، وعارفة إن أمك هي اللي باقية لك بعد أبوك…
— هششش… تسكتي خالص يا مريم.
حطيت إيدي على وشها وبست راسها.
— أنا اللي آسف. أنا اللي أعمى وغبي، فضلت سنين فاكر إني حاميكي، وأنا سايبك لديدان بتاكل فيكي وأنا مش داري. من الليلة دي، مفيش مخلوق على وجه الأرض هيقدر يلمس شعرة منك… ولا حتى أمي.
قمت فتحت الدولاب، طلعت شنطة سفر كبيرة، وبدأت ألم فيها هدومها وهدومي. مريم اتخضت وقامت وقفت:
— أنت بتعمل إيه يا أحمد؟ هنمشي دلوقتي؟ في نص الليل وفي المطر ده؟
— هنمشي فوراً. البيت ده مابقاش بيتنا، ولا المكان ده أمان ليكي.
نزلت الشنطة، ومسكت إيد مريم ونزلنا. السفرة كانت لسه مقلوبة، والأكل والمقالي المكسورة ماليين الأرض. أمي وكريم وداليا كانوا قاعدين في الصالة، وأول ما شافوا الشنطة في إيدي، أمي قامت وقفت، ووشها اصفر:
— أنت رايح فين يا أحمد؟ هتسيب بيت أبوك عشان خاطر دي؟
— البيت ده بيت فلوسي يا أمي… بيت الشقى اللي شقيته طول السنين اللي فاتت. والنهارده بس عرفت إن البيت ده اتملى ناس مابتصونش النعمة.
كريم وقف وقال بصوت عالي:
— أنت بتطردنا ولا إيه يا أحمد؟ نسيت إن أمك ليها حق في كل جنيه هنا؟! نسيت إن أنا أخوك الصغير؟!
— مش هطرد حد دلوقتي… بس لما أرجع، هتشوفوا أحمد تاني خالص غير اللي تعرفوه.
خرجنا في المطر، ركبت مريم العربية، وحطيت الشنطة في الشنطة الوراانية. قفلت الأبواب، وشغلت التكييف الدافئ، وطلعت على شقة صغيرة كنت شاريها زمان في منطقة هادية بالقاهرة كاستثمار، مكنش حد يعرف عنها حاجة غيري.
طول الطريق، مريم كانت باصة من الشباك وبتعيط بكسرة. مسكت إيدها بإيدي اليمين وأنا سايق بالإيد التانية:
— مريم… احكي لي كل حاجة. من غير ما تخبي عني كلمة واحدة. الكدمات دي من إمتى؟ وليه كانوا بيعملوا فيكي كده؟
مريم اتنهدت تنهيدة طالعة من قاع قلبها، وبدأت تتكلم وصوتها بيترعش:
— الموضوع بدأ من أكتر من ست شهور يا أحمد… من ساعة ما داليا مراته لكريم نقلت تعيش معانا في البيت الكبير. أمك كانت طول الوقت تقولي إني مالياش لازمة، إني ست عقيمة مش بعرف أجيب لك العيل اللي يشيل اسمك. وكل ما أنت تطلع في شغلانة أو تسافر تبع الشركة، كان البيت بيتحول لجحيم.
— وكريم وداليا؟
— كريم كان بيشجعها… وداليا كانت بتشحنها أكتر. كانوا بيخلوني أخدم البيت كله زي الخدامة، ولو رفضت أو تعبت، أمك تشتمني وتضربني بإيدها أو بأي حاجة قدامها. وداليا تضحك وتصوري بالفون وتقولي: “لو فتحتي بقك لأحمد، هنقوله إنك بتتبلي علينا وإنك بتسحري له عشان يكره أهله”.
قبضت على دركسيون العربية بجلدي كله لدرجة إن مفاصل إيدي ابيضت.
— وليه ما حكيتيليش يا مريم؟ ليه شيلتي كل ده لوحدك؟
— عشان كنت خايفة عليك… كنت شايفاك راجع مهدود من الشغل، وبتعافر عشان تعمل الشركة وتكبر شغلك. كنت خايفة البيت يتخرب بسبب، وكنت أقول لنفسي يمكن لما أخلف كل ده يتغير… بس الدكاترة قالوا مفيش أمل، وهما استغلوا نقطة ضعفي دي وداسوا عليا بيها.
وصلنا الشقة تقريباً على الساعة تلاتة الصبح. فتحت الباب، دخلت مريم وشغلت السخانات، وغيرت هدومها المبلولة واستقرت في السرير. أكلتها لقمة خفيفة بالعافية، واديتها مسكن، وفضلت جنبها لحد ما راحت في النوم من كتر التعب والإرهاق النفسي.
بس أنا… جفني ما غمضش ولا ثانية.
قعدت في الصالة، النور مطفي، وشاشة التليفون هي مصدر الضوء الوحيد. كنت حاسس إن في حلقة مفقودة. أمي وكريم مش بس كانوا قساة على مريم بسبب الخلفة أو الغيرة… تصرفاتهم كان فيها جشع وغل مش طبيعي، كأنهم مستعجلين يطفشوا مريم من البيت أو يكسروها عشان حاجة تانية خالص.
الساعة جت خمسة الفجر.
مسكت التليفون وطلعت رقم الأستاذ مدحت، محامي العيلة والصديق المقرب لأبويا الله يرحمه. مكنش ينفع أستنى للصبح.
رنيت عليه. جرس… اتنين… وفي التالتة رد بصوت نايم ومستغرب:
— أيوة يا أحمد؟ خير يا ابني في حاجة؟ الساعة خمسة الصبح!
— أستاذ مدحت… أنا آسف إني بصحيك في الوقت ده، بس أنا في مصيبة ولازم أشوفك فوراً. أول ما النور يطلع تكون عندي أو أجيلك المكتب.
نبرة صوتي خلته يفوق تماماً:
— في إيه يا أحمد؟ أمك جرالها حاجة؟ ولا الشغل؟
— مريم مراتي اتأذت… والبيت اتقلب. بس مش ده بس الموضوع يا أستاذ مدحت. أنا حاسس إن في حاجات بيحصل من ورا ضهري في البيت وفي الفلوس وأنا زي الأطرش في الزفة.
— طيب اهدى يا ابني. تعالالي المكتب الساعة تمانية الصبح، أكون وصلت وفتحت الشغل، ونتكلم براحتنا.
الساعة تمانية بالظبط، كنت واقف قدام باب مكتب الأستاذ مدحت في وسط البلد.
دخلت المكتب، كان بيشرب القهوة بتاعته، وبص في وشي وشاف الهالات السودة تحت عيني وعلامات الغضب اللي عليا.
— قولي يا أحمد… إيه اللي حصل؟
قعدت وحكيت له كل حاجة. حكيت له عن منظر مريم في الطين، والرز اللي كانت بتلمه، والكدمات اللي في دراعها، وكلام أمي وكريم. الأستاذ مدحت كان بيسمع وهو بيزفر بضيق ويهز راسه:
— لا حول ولا قوة إلا بالله… للدرجة دي؟ أمك توصل بيها القسوة لكده؟ وكريم يمد إيده أو يشجع على كده؟!
— أنا مش هسكت يا أستاذ مدحت. أنا عايز أرفع قضايا، وعايز أخرجهم من البيت ده، وأفصل كل شغلي وفلوسي عنهم. كريم مش هياخد مني جنيه واحد تاني.
الأستاذ مدحت قلع النظارة وقعد يمسحها بالمنديل، وسكت شوية وهو بيفكر، وبعدين قال بنبرة هادية غريبة:
— أحمد… أنت عارف إن أنا ماسك وركوا وحسابات العيلة من أيام أبوك الله يرحمه.
— أيوة عارف.
— وعارف إن الشقة والبيت الكبير وكل الأملاك مكتوبة باسمك وباسم أمك وشقيقك حسب الإعلام الشرعي، بس أنت اللي بتدير كل حاجة.
— تمام… إيه الجديد؟
الأستاذ مدحت قام وقف، راح عند الخزنة الحديد اللي في أصل المكتب، فتحها بالمفتاح، وطلع ملف أصفر وحطه قدامي على الترابيزة.
— من أسبوعين يا أحمد… جالي كريم أخوك المكتب هنا.
— كريم؟! وجالك ليه من غير ما يقولي؟
— جالي ومعاه توكيل رسمي منك.
فتحت عيني على آخرها وتنحت:
— توكيل مني أنا؟! توكيل إيه؟ أنا عمري ما عملت لكريم توكيل بالدفع أو بالتعاملات البنكية! التوكيل الوحيد اللي عملته كان ليك أنت شخصياً عشان قضايا الشركة!
الأستاذ مدحت بصل بزهول وقلق:
— إيه اللي أنت بتقوله ده يا أحمد؟! كريم جه هنا ومعاه توكيل عام عاملك أنت بصفة شخصية، ومختوم من الشهر العقاري، وفيه صلاحية سحب وإيداع والتعامل مع البنوك!
— أنت بتقول إيه يا أستاذ مدحت؟! أنا ما وقّعتش على توكيل لكريم أبداً!
الأستاذ مدحت مسك الملف وفتحه بسرعة وطلع صورة الورقة:
— بص بنفسك… التوقيع توقيعك، وبصمة البصمة بتاعتك، والتوكيل معمول من تلات شهور فاتوا!
دماغي بدأت تلف. تلات شهور؟ تلات شهور دول هما نفس الفترة اللي مريم بدأت فيها تتغير وتسكت وتبان عليها علامات الضرب!
الأستاذ مدحت كمل كلامه وصوته بدأ يوطى ويتحول للجدية الشديدة:
— مش دي المشكلة وبس يا أحمد… المصيبة الأكبر إن التوكيل ده اتستخدم الأسبوع اللي فات.
— اتستخدم في إيه؟!
— كريم فتح حساب بنكي جديد في بنك (….) باسمك أنت شخصياً… وحول عليه مبلغ يقرب من نص مليون جنيه!
— نص مليون جنيه؟! منين؟ ورصيد إيه ده اللي يتحول باسمي وأنا ما أعرفش عنه حاجة؟!
الأستاذ مدحت قرب مني بكرسيه وقال بصوت واطي جداً:
— الفلوس دي ما دخلتش من حسابات شركتك يا أحمد… الفلوس دي دخلت لحسابك عن طريق تحويلات مالية مشبوهة من حساب جهة مجهولة خارج مصر… وتحول جزء منها لحساب شخصي تاني باسم أمك!
وقفت من على الكرسي وأنا حاسس إن الأرض بتهتز تحت رجلي.
نص مليون جنيه؟ تحويلات مشبوهة؟ توكيل مزور باسمي وبصمتي؟
في اللحظة دي، افتكرت كلام أمي لما كانت بتضحك على السفرة وتقول: “الفلوس دي فلوس عيلته… وهي لا خلفت ولا جابت عيل”.
وافتكرت كلام كريم لما قال: “استني لما يرجع وقولي له إنه عليت صوتها عليكي وهو هيعرف يحطها عند حدها”.
كل حاجة بدأت تتجمع في دماغي زي المكعبات. هما مكنوش بس بيذلوا مريم عشان كره شخصي… هما كانوا بيحاولوا يكسروها ويطفشوها أو يخلوها تجري بيت أهلها، عشان مريم هي الوحيدة اللي كانت موجودة في البيت طول النهار… وهي الوحيدة اللي كان ممكن تلاحظ الحركة أو الأوراق أو المظاريف اللي كانت بتتدخل وتطلع من البيت!
بصيت للأستاذ مدحت وسألته وصوتي بيرتعش من الغضب:
— التحويلات دي تاريخها إيه بالظبط يا أستاذ مدحت؟
— أول تحويل اتعمل يوم ١٥ الشهر اللي فات… والتاني كان من أربعة أيام بس.
مسكت التليفون بتاعي بسرعة عشان أراجع كشوفات الحساب والرسائل، بس افتكرت إن الخط اللي معاهم في البيت هو الخط المربوط بالحسابات القديمة.
الأستاذ مدحت مسك إيدي:
— أحمد… الموضوع ده فيه إنّ كبيرة أوي. لو الفلوس دي تحويلات غير قانونية وتم فتح الحساب بتوكيل مزور، أنت اللي هتشيل الشيلة كلها قانونياً لأن الحساب باسمك والتوقيع توقيعك. كريم وأمك حاطينك في العاصفة وراميِينك للتهلكة، وأنت مش داري!
سكت لحظة… وعقلي كان بيشتغل بسرعة الصاروخ.
مريم اللي اتضربت لاترمت في الطين… التوكيل المزور… النص مليون جنيه اللي دخلوا باسمي… والتحويل اللي راح لحساب أمي.
كل ده مش مجرد مشاكل عائلية ولا غيرة حموات… دي جري\مة متكاملة الأركان، وأقرب الناس ليا هما اللي بيخططوا ليقعوني ويخلوني أشيل شيلتهم، ومريم كانت الضحية اللي واقفه في طريقهم.
بصيت للمحامي وقلت بصوت حاسم زي الحديد:
— أستاذ مدحت… أنت هتطلع معايا دلوقتي فوراً على البنك. عايز أكشف الحساب ده بالكامل، وأعرف كل جنيه جه منين وراح فين. وبعد البنك… هنروح الشهر العقاري نعرف التوكيل ده اتعمل إزاي ومين اللي بصم مكاني.
— وبعد كدا يا أحمد؟ هتواجههم؟
ابتسمت ابتسامة باردة مليانة شر:
— المواجهة دي هتبقى آخر حاجة يا أستاذ مدحت… لما أجمع كل الخيوط في إيدي، هخليهم يندموا على اليوم اللي فكروا فيه يلعبوا معايا… أو يمسوا شعرة واحدة من مريم!
خرجنا من المكتب والشمس كانت بدأت تطلع وتملى شوارع القاهرة… بس جوايا كان في ضلمة أشد من ضلمة الليلة اللي فاتت.
وصلنا فرع البنك، ودخلت لمكتب مدير الفرع بصفتي صاحب الحساب. الراجل رحب بيا وطلب لي قهوة، وبدأ يطبع كشف الحساب التفصيلي.
أول ما الكشف اتبع الماكينة وطلع على الورق… مدير البنك بص للورقة، وبص لي باستغراب وقال:
— سيد أحمد… هو أنت متأكد إنك ما تعرفش حاجة عن التحويلات دي؟
— وريني الورق يا فندم.
سحبت الورقة من إيده… وعيني جت على اسم الشركية الموردة للفلوس من بره مصر… وعلى اسم الشخص اللي سحب جزء من المبلغ كاش إمبارح الصبح بالتوكيل.
الاسم اللي مكتوب في خانة السحب… مكنش كريم أخويا… ولا كان أمي!
الاسم اللي كان مكتوب… خلاني أقف مكاني والدم يتجمد في عروقي.
يتبع…

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *