قصه جديده

وركبت أول عربية ومشيت.
الفرح كمل… لكن مفيش حد كان فرحان.
أما أنا، فكنت ببص لحمات أختي، ولقيتها مبتسمة كأنها حققت أكبر انتصار في حياتها.
قولت لأبويا بعد ما الناس بدأت تمشي: “إيه اللي حصل؟ ليه عملت كده؟”
بصلي بعين مليانة انكسار وقال: “سامحيني… مكنش قدامي حل.”
“يعني إيه مكنش قدامك حل؟”
طلع من جيبه الظرف الأصفر، واداهولي.
فتحته بإيدي المرتعشة…
لقيت صورة قديمة لأمي وهي واقفة جنب راجل غريب، وفي صورة تانية وهو شايل طفل صغير.
ومعاهم جواب مكتوب بخط إيد:
“ابنك أمانة عندي… ولما يكبر هعرفه الحقيقة.”
حسيت الأرض بتميد بيا.
بصيت لأبويا وأنا مصدومة: “يعني… ماما كانت متجوزة قبلك؟!”
هز راسه بالنفي وقال:
“لأ… كل اللي في الظرف ده ملفق. الصور متفبركة، والخطاب مزور… وأنا عارف ده كويس.”
صرخت فيه: “أومال طلقتها ليه؟!”
سكت ثواني… وقال الجملة اللي غيرت كل حاجة:
“لأن الست دي مهددتنيش بالظرف… هددتني بحياة أختك.”
يتبع…
اتجمدت مكاني وأنا ببص لأبويا.
“يعني إيه هددتك بحياة أختي؟”
قعد على أول كرسي، وحط إيده على وشه، وقال بصوت مكسور:
“قبل الفرح بيوم، بعتتلي رسالة فيها صورة لأختك وهي خارجة من الكوافير… والرسالة كانت مكتوب فيها: لو منفذتش اللي هطلبه، بنتك مش هتكمل الليلة وهي عايشة.”
حسيت الدم اتسحب من وشي.
“بلغت الشرطة؟”
هز راسه وقال:
“فكرت… بس كانت بتبعتلي صور جديدة كل شوية، وعرفتني إنها مراقباها. خفت أغامر بحياة بنتي في يوم فرحها.”
فضلت ساكتة شوية، لكن سؤال واحد كان بياكلني:
“طيب… ليه طلبت تطلق ماما؟ هي بينها وبينها إيه أصلًا؟”
بصلي وقال:
“عشان الانتقام.”
“انتقام من إيه؟”
تنهد وقال:
“من خمسة وعشرين سنة، أبوها كان شريك جدك في تجارة كبيرة. حاول يزور في الحسابات ويستولى على فلوس الناس. أمك كانت الوحيدة اللي شافت المستندات، ووقفت قدام المحكمة وشهدت بالحق. أبوها دخل السجن، وبعدها مات وهو جواه حقد على أمك. وبنته فضلت مستنية اليوم اللي ترد فيه الضربة.”
سكت لحظة وكمل:
“ولما ابنها حب أختك، وافقت على الجوازة… مش لأنها كانت راضية… لكن لأنها لقت الفرصة اللي مستنياها من سنين.”
أنا وقتها أقسمت إن اللي عملته في أمي مش هيعدي.
لكن مكنتش أعرف إن أمي نفسها كانت مخبية مفاجأة أكبر…
لأنها وهي خارجة من القاعة، كانت واخدة معاها ملف قديم، لو اتفتح… مش بس جوازة أختي هي اللي هتنهار، ده حياة حمات أختي كلها هتتقلب.
يتبع…
أول ما سمعت كلام أبويا، خرجت أجري ورا أمي.
لكن ملقتهاش.
تليفونها كان مقفول، ومحدش يعرف راحت فين.
عدت ليلة كاملة، والبيت كان عامل زي المأتم. أختي قاعدة بفستان الفرح بتعيط، وأبويا حابس نفسه في أوضته، أما حمات أختي… فكانت بتتصرف كأنها كسبت معركة عمرها.
تاني يوم الصبح، جرس الباب رن.
فتحت…
لقيت أمي واقفة.
كانت لابسة نفس الفستان اللي خرجت بيه من القاعة، لكن ملامحها كانت مختلفة تمامًا… هادئة، واثقة، وكأنها رجعت عشان تنهي حاجة، مش عشان تعاتب حد.
دخلت من غير ما تبص لأبويا، وحطت ملف أزرق كبير على الترابيزة.
قالت: “دلوقتي جه دوري أتكلم.”
فتحت الملف، وطلعت منه مستندات قديمة، وصور، وإيصالات، وعقود.
بصت لأبويا وقالت: “فاكر لما قلتلي من سنين أحتفظ بكل ورقة؟ احتفظت بيها.”
وبعدين بصتلي وقالت: “الست دي فاكرة إنها بتنتقم مني… لكنها ناسية إن أبوها قبل ما يدخل السجن، كتب اعتراف بإيده بكل اللي عمله، والاعتراف ده معايا من يومها.”
شهقت.
“يعني تقدري تثبتي إنك بريئة؟”
ابتسمت لأول مرة وقالت: “وأقدر أثبت كمان إن اللي عملته امبارح كان ابتزاز وجري..مة يعاقب عليها القانون.”
في اللحظة دي…
رن جرس الباب مرة تانية.
ولما فتحنا…
لقينا حمات أختي داخلة بكل ثقة، وهي بتقول:
“ها… خلصتوا عياط؟”
لكنها أول ما شافت الملف الأزرق على الترابيزة… ابتسامتها اختفت.
وشها اصفر…
وقالت بصوت مرتعش:
“الملف ده… جه منين؟”
وهنا عرفت أمي… إنها أخيرًا مسكتها من نقطة ضعفها.
أمي بصتلها بثبات، ودفعت الملف ناحيتها وقالت:
“افتحيه… يمكن يكون نسيكي اللي أبوكي كتبه بإيده.”
إيد حمات أختي كانت بترتعش وهي بتقلب الورق.
وفجأة وقعت منها ورقة.
أبويا انحنى جابها، ولما قراها اتغير وشه.
كانت ورقة اعتراف بخط إيد أبوها، مكتوب فيها إنه لفّق اتهامات لأمي، وإنها كانت السبب في كشف سرقته، مش في سجنه. وفي آخر الاعتراف كتب:
“لو بنتي فكرت تنتقم من الست دي بعد موتي، تبقى ظلمتها مرتين.”
سكتت القاعة كلها.
حمات أختي انهارت على الكرسي وهي بتقول:
“أنا… أنا عمري ما شفت الورقة دي.”
أمي ردت بهدوء:
“لأنك طول عمرك سمعتي رواية واحدة… رواية أبوكي قبل ما يعترف بالحقيقة.”
أختي، اللي كانت واقفة بتبكي، بصت لحماتها وقالت:
“يعني كل اللي حصل في فرحي… كان بسبب كره عايشة بيه من سنين؟”
محدش رد.
ساعتها أبويا وقف قدام أمي، والدموع في عينيه، وقال:
“سامحيني… أنا ظلمتك.”
أمي هزت رأسها وقالت:
“اللي انكسر قدام الناس… مش سهل يتصلح.”
ثم خرجت من البيت.
وأول مرة أحس إن الطلاق اللي حصل في القاعة… ما كانش نهاية جواز بس، كان نهاية ثقة عمرها عشرات السنين.
أما حمات أختي…
فبعد أيام، بدأت التحقيقات في واقعة الابتزاز والتهديد، واتكشفت الحقيقة كاملة، وكانت هي الخاسر الأكبر.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *