**اللمسة واللقمة**ج3 حكايات شروق خالد
مريم خدت نفس طويل وهي حاضنة أم أحمد، وبصت للمستشفى والناس، وحست إنها أخيرًا قفلت الدائرة؛ البنت الجعانة المكسورة بقت هي السند لكل مكسور في المحروسة.
**بعد مرور سنة كاملة..**
المستشفى الخيري بقى حديث مصر كلها، وقصص الشفاء والرحمة اللي جواه بقت على كل لسان. أحمد أثبت كفاءة مش طبيعية في الإدارة، وبقى ذراع مريم اليمين، وأم أحمد كانت بتيجي كل يومين تقعد في حديقة المستشفى، توزع ابتسامات ودعوات على المرضى والغلابة، وكأنها الروح الطيبة للمكان.
وفي يوم من الأيام، والشمس بتميل للمغرب، دخل شاب للمستشفى، وشه شاحب، وباين عليه علامات التعب الشديد. سأل على مكتب المدير الإداري، ولما دخل لأحمد، حط قدامه ملف طبي وقال بصوت مكسور: “لو سمحت يا أستاذ أحمد.. أنا والدتي محتاجة عملية قلب مفتوح عاجلة، وممعيش تمنها برة، وجيت هنا لما سمعت عن الدكتورة مريم.”
أحمد أخد الملف وبدأ يقراه بتركيز، وفجأة ملامحه اتغيرت، وعينيه وسعت من الصدمة لما قرأ اسم المريض في البطاقة الصحية المرفقة..
الاسم كان: (رأفت عبد الجليل).. المدير المالي القديم للمستشفى الاستثمارية، الراجل اللي كان عاوز يطرد أم أحمد من الطوارئ وهي بتموت!
أحمد وقف من طوله، وبص للشاب اللي واقف قدامه وقال بنبرة جافة: “والدك كان شغال إيه يا بني؟”
الشاب دمع وقال: “كان مدير مالي في مستشفى كبيرة يا فندم.. بس اترفد من سنة بعد مشكلة مع دكتورة مشهورة هناك، ومن يومها حالته الدهورت، وجات له جلطة، والفلوس اللي معاه خلصت على الدكاترة والمستشفيات، ومبقاش حيلتنا حاجة.”
أحمد ساب الملف على المكتب، وقام وقف وهو حاسس بنار بتغلي جواة.. سبحان المعز المذل! الراجل اللي كان بيتحكم في رقاب الناس بفلوسهم وقوانينهم، دلوقتي ابنه واقف بيشحت حياة أبوه في مستشفى مريم الخيرية.
أحمد خرج من المكتب بسرعة ودخل على مريم وهي بتستعد لعملية تانية، وحط الملف قدامها: “دكتورة مريم.. شوفي مين برة طالب مساعدتنا.”
مريم فتحت الملف، ولما لقطت الاسم، السكوت حل في الأوضة. بصت لأحمد اللي قال بعصبية: “ده الراجل اللي كان هيسيب أمي تموت يا مريم! ده الراجل اللي قال مفيش دخول من غير تأمين! الدنيا دارت بيه وجاي لحد عندنا.”
مريم سكتت لثواني.. ثواني كانت كفيلة تمرر شريط حياتها كله قدام عينيها. بصت لأحمد وقالت بصوت هادي: “هات ابنه وادخل.”
أحمد جاب الشاب، ودخل المكتب وهو بيرتعش. مريم بصت له وقالت: “والدك في المستشفى برة؟”
الشاب: “أيوة يا فندم، في عربية الإسعاف تحت، حالته حرجة جدًا.”
مريم وقفت، ولبست البالتو الأبيض بتاعها، وبصت لأحمد وقالت بقوة: “انزل هاته حالا، وجهزوا غرفة العمليات رقم 3.”
أحمد برّق عينه: “مريم! إنتي هتعملي له العملية بنفسك بعد كل اللي عمله؟!”
مريم مشيت لحد الباب، ولفت وشها لأحمد وللشاب وقالت بابتسامة صافية كلها عزة: “المستشفى دي اسمها مستشفى مريم الخيري.. وإحنا بنعالج القلوب، مش بنصفي حسابات. لو اتعاملنا بقسوتهم، يبقى مفرقناش عنهم حاجة. روح هات أبوه يا أحمد.. أم أحمد علمتنا إن اللقمة والرحمة مبتتجزأش.”
العملية استمرت أربع ساعات كاملين.. مريم كانت بتشتغل بكل ذرة مهارة عندها لإنقاذ الراجل اللي كان في يوم من الأيام سبب وجعها. ولما خرجت من الأوضة، لقت ابنه واقف بيعيط، وجنبه أم أحمد اللي عرفت بالموضوع وجت تقف مع الشاب الغلبان.
مريم قلعت الماسك وقالت بابتسامة: “العملية نجحت.. والدك هيفوق كمان كام ساعة، وهو بألف خير.”
الشاب نزل على رجل مريم يبوسها من كتر الفرحة، بس مريم رفعته بسرعة وقالت له: “اشكر ربنا يا بني.. واشكر الست دي (وشاورت على أم أحمد)، لأن لولا قلبها الطيب، مكنش زماني واقفة هنا النهاردة.”
بعد يومين، رأفت فاق.. ولما فتح عينيه، لقى نفسه في أوضة نظيفة، وقاعد قدامه على الكرسي مريم وأم أحمد. الراجل بص لهم وعينيه اتملت بدموع الندم والخجل، ومكنش قادر ينطق كلمة واحدة من كتر الكسوف.
أم أحمد قربت منه وحطت على السرير كوباية شوربة دافية، وقالت له بحنية: “حمد الله على سلامتك يا أستاذ رأفت.. شد حيلك، وادعي للدكتورة مريم ربنا يجازيها كل خير.”
رأفت صوته طلع مخنوق بالدموع وقال: “أنا آسف.. أنا مش عارف أودي وشي منكم فين.. أنا كنت قاسي معاكم.”
مريم بصت له وقالت بوقار وثقة: “الدنيا دي سلف ودين يا أستاذ رأفت.. والخير اللي بتعمله بيرجعلك، والشر برضه بيرجعلك. إحنا مش زعلانين منك، ومستشفانا مفتوح ليك ولأي حد محتاج.. ألف حمد الله على سلامتك.”
مريم وأم أحمد خرجوا من الأوضة، ووقفوا في الممر الواسع يبصوا للشمس وهي بتشرق على المستشفى وعلى القاهرة كلها.. مريم حطت إيدها في إيد أم أحمد، وقالت لها: “ربنا يديمك في حياتي يا أمي.. إنتي اللي صنعتي مريم من جديد.”
أم أحمد ابتسمت وقالت: “بل ربي اللي صانع الود يا بنتي.. والخير ملوش نهاية.”
**اللمسة واللقمة**
حكايات شروق خالد