عدد من من القبر الجزء الاول حكايه شروق خالد

بعد خمس سنين من وفاة مراتي، أخدت بنتي ورحنا فرح أعز أصحابي. بس الدنيا اتدبت فوق دماغي أول ما رفع طرحة العروسة. في نفس اللحظة اللي بنتي همستلي فيها وقالت: “بابا، أنت بتعيط ليه؟”، العروسة وبصت في عيني… وفي الثواني دي، كل حاجة اتهدت واتكشفت على حقيقتها.
ما كنتش ناوي أصلاً أروح الحفلة دي. يوسف زميلي في الشغل هو اللي جرجرني معاه، وكان بيحلف إن الخروجة دي هي اللي هتخرجني من الكآبة والروتين اللي أنا فيه.
كنت بقالي أسابيع بشتغل ورديتين ورا بعض في موقع المقاولات، وجسمي كان مهدود وكأنه حتة خرسانة.
يوسف زن عليا وهو بيزقني تقريباً من باب الشقة اللي في وسط البلد: “هي ساعة واحدة بس ومش هنطول، وبعدها ارجع بيتك واتقوقع تاني زي ما أنت عايز”.
سبحان الله، اللحظات المهمة في العمر دايماً بتيجي في الوقت اللي مش مستنيه خالص.
الحفلة كانت زحمة بناس شكلهم عمرهم ما شالوا حاجة أتقل من كاس عصير. وأنا ببنطلوني الجينز الدايب وتيشرتي القديم، كنت حاسس إني غريب ومش لايق على المكان خالص.
بس فجأة شفتها.. نادين.
هي كمان ما كانش المفروض تكون هناك، عرفت بعدين إنها كانت رايحة بس توصل حاجة لصاحبتها وماشية.
عنينا جت في عين بعض من آخر الصالة، وحاجة خطفتني في ثانية. سميها شرارة، كيميا، سميها زي ما تسميها—كل اللي عرفته إني عايز الست دي تكون جزء من دنيتي.
بصيت ليوسف وشاورت عليها وقلتله: “مين دي؟”.
بص الناحية اللي ببص فيها وصفر بصوت واطي: “نادين! فكك منها يا صاحبي ومتحاولش.. عيلتها تقريباً تملك نص عقارات القاهرة”.
بس رجلي كانت خلاص واخداني ومقرب من ناحيتها.
أول ما شافتني بقرب، ابتسمت، والابتسامة دي خبطت في قلبي زي المرزبة.
مديت إيدي وقلت لها: “أنا كريم”.
ردت بصوت هادي وفيه ثقة: “نادين.. وشكلك مش طايق القعدة هنا بالظبط زيي”.

#حكايات_شروق_خالد

فضلنا نتكلم الساعات دي كلها الليلة دي. ما طلعتش خالص شبه اللي كنت متوقعه—مفيهاش طبع تناكة بنات الأغنياء خالص، بالعكس، كانت دافية وعندها فضول حقيقي تسمعني. ولما جيت أوصلها لعربيتها، كنت عارف إني وقعت ومفيش مفر.
قالتلي وشعرها الأسود منور تحت ضوء القمر: “أهلي هيكرهوك أوي لو عرفوا”.
سألتها: “وده هيعمل مشكلة؟”.
بصتلي بعيون كانت بتقراني من جوه وقالت: “غالباً آه.. بس مظنش إن الموضوع هاممني في حاجة”.
بعد ست شهور اتجوزنا. أهلها ما جوش الفرح وقاطعوها تماماً—حرموها من الميراث، ومفيش أي تجمعات عائلية، ولا كأنها موجودة.
بس نادين دست إيدها في إيدي وقالتلي: “الفلوس مش فاهماها في حاجة.. أنا مش عايزة من الدنيا غيرك أنت”.
ولفترة من الزمن، الكلام ده كان كفاية ومكفينا.
عشنا في شقة صغيرة أوضتين وصالة. كنت بشتغل في المعمار والتشطيبات بالنهار، وبالليل بذاكر تصميم وهندسة ديكور. ونادين اشتغلت في معرض فنون. كنا مبسوطين، أو ده اللي أنا كنت فاكره.
لحد ما بنت طفلتنا “جنا” اتولدت.. وفي حاجة اتغيرت. اللمعة اللي كانت في عين نادين بدأت تطفي، وبدأت تقارن عيشتنا بالعيشة القديمة اللي سابتها ورا ظهرها.
التفاصيل كلها كاملة في أول كومنت تحت.

#حكايات_شروق_خالد
المقارنات بدأت بكلمات بسيطة، زي “ليه شقتنا ضيقة كده على البنت؟” و”أصحابي بيصيفوا في الساحل وإحنا مش عارفين نخرج من حر القاهرة”. كنت بفرم نفسي في الشغل، بشتغل بالـ18 ساعة في اليوم عشان أوجعلها كل اللي تتمناه، بس الفجوة بيننا كانت بتوسع كل يوم عن اللي قبله، لحد الليلة المشؤومة من خمس سنين.
نادين نزلت تشتري حاجات لجنا ومجعتش. التليفون رن، وكان مأمور القسم بيبشرني إن عربيتها اتقلبت على طريق السخنة.. وماتت في الحال.
الدنيا اسودت في عيني، ودفنت حتة من قلبي معاها. عشت الخمس سنين اللي فاتوا ماليش غير “جنا”، كبرت وبقت عندها ست سنين، هي كل دنيتي. لحد ما جه فرح حسن، أعز أصحاب عمري وسندي في محنتي. حسن كان دايماً يقولي إنه خطب واحدة من عيلة كبيرة بس ظروفها صعبة ومبتتكلمش عن ماضيها، ومكنتش بركز معاه من كتر همومي.
يوم الفرح، كنت واقف جنبه على الكوشة وجنا ماسكة في إيدي. حسن كان طاير من الفرحة، ولما المأذون كتب الكتاب، حسن قرب من العروسة ورفع الطرحة البيضا من على وشها..
هنا الزمن وقف. الأغاني اشتغلت والناس بتصقف، وأنا حسيت بركبي بتخونني.
العروسة اللي حسن لسه كاتب كتابه عليها حالا.. هي “نادين”! مراتي الميتة!
نفس الملامح، نفس العيون الواسعة، ونفس الشامة الصغيرة اللي جنب شفايفها. جنا شدت إيدي وهمستلي ببراءة: “بابا، أنت بتعيط ليه؟ هي طنط دي شبه مامي اللي في الصورة ليه؟”.
نادين لفت وشها وبصت في عيني.. الابتسامة اختفت من على وشها، وعينيها اتسعت برعب حقيقي، وباقة الورد وقعت من إيدها على الأرض. حسن بصلي وبصلها وهو مش فاهم حاجة وقالي: “في إيه يا كريم؟ وشك أزرق كده ليه؟”.
في الثواني دي، كل الوجع، وكل ليالي العياط، وكل السنين اللي عشتها مخدوع اتهدت فوق دماغي. نادين مماتتشنادين هربت من عيشتي الضيقة، وزورت شهادة وفاتها بمساعدة عيلتها الكبيرة عشان تبدأ حياة جديدة، ومفرقش معاها تحرق قلبي ولا تسيب بنتها الرضيعة.. والنهاردة راجعة تتجوز صاحب عمري!
خطيت خطوة لقدام، وجنا ماسكة في رجلي بتعيط، وقلت بصوت حاد زلزل قاعة الفرح كلها: “الف مبروك يا حسن.. بس يا ريت العروسة تقولنا إزاي طلعت من قبرها بعد خمس سنين؟!”.
#حكايات_شروق_خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *