قصه جديده
“خير يا عمي إن شاء الله… أنا قولت بدل ما هي فرحة واحدة، نخليهم فرحتين في بيتكم العامر. أنا طالب إيد الآنسة نور على سنة الله ورسوله، وجاهز لكل طلباتكم من الليلة دي، والفرح يكون مع مريم في نفس اليوم لو معندكوش مانع.”
الكلمة نزلت زي القنبلة في نص الصالة.
أنا اتسمرت مكاني والكاس كان هيقع من إيدي، وأمي شهقت من الفرحة والمفاجأة، ومريم صقفت بحماس طفولي: “بجد يا طارق؟! يا ريت يا بابا وافق والنبي ده إحنا نعمل أحلى فرح سوا!”
بس الصدمة الحقيقية مكنتش عندي… الصدمة كانت عند أخوه!
وشه اتقلب ميت لون، الدم هرب من ملامحه، وعينيه جحظت وهو باصص لطارق بذهول ورعب، ووقف فجأة من على الكنبة وقال بصوت مخنوق ومتردد:
“إيه اللي أنت بتقوله ده يا طارق؟! أنت اتجننت؟ إزاي تفكر في حاجة زي دي من غير ما تتكلم ولا تلمح حتى؟!”
طارق لف وشه ببرود قاتل، وبص لأخوه بنظرة حادة قاطعة خلت التاني يبلع ريقه وينكتم، وقال بنبرة هادية بس سمّعت الكل:
“ومالجأش ليه يا عريس؟ هي نور يعيبها حاجة؟ أدب وأخلاق وبنت أصول، ومفيش راجل عينه ويشوفها وميتمناهاش… ولا أنت عندك رأي تاني يخص خطيبتي؟”
الواطي اتلجم، وشه بقى أحمر زي الدم، شفايفه بتترعش ومش قادر ينطق بحرف واحد قدام أبوه وأبويا. كان عارف إنه لو فتح بؤه بكلمة، طارق هيكسره، ولو فكر يلمح بأي تهديد، السحر هينقلب على الساحر رسمي وقدام العيلتين.
بابا ابتسم بارتياح كبير، وبص لطارق اللي الكل يشهد بأدبه ورجولته وشغله المحترم، وقال:
“والله يا طارق يا بني أنت راجل وميتعيبش، وإحنا يشرفنا نناسبك للمرة التانية… بس الرأي الأول والأخير للعروسة.”
الأنظار كلها لفت وبصتلي، وطارق رفع عينه في عيني بنظرة أمان عمري ما حسيتها في حياتي، نظرة كأنها بتقولي: “ارفعي راسك، حقك هيرجعلك لحد عندك”. بصيت لأخوه اللي كان هيطق ويموت من الغيظ والقهر، وأخدت نفس طويل لأول مرة من شهور، وابتسمت وقولت بصوت واضح:
“موافقة يا بابا.”
الزغاريد رجعت ملت البيت تاني بضعف، وبابا شد طارق في حضنه بحرارة وهو بيقرأ معاه الفاتحة، وماما دمعت من الفرحة إن بناتها الاتنين هيتجوزوا في ليلة واحدة.
في وسط الهيصة دي كلها، وائل كان واقف زي المجنون، عينيه بتطق شرار، وعروق رقبته ناطرة من كتر الغيظ والعجز. كل ما حد يباركله على أخوه، يبتسم ابتسامة باهتة تكتم غله بالعافية. كان بيحترق؛ السحر اتقلب عليه، والبنت اللي كان فاكر إنه داس عليها وهيمشيها على عجين ميتلخبطش بتهديده، فجأة بقت خطيبة أخوه الكبير وراسها براسه!
أول ما الكل انشغل في السلامات والكلام، انسحبت بهدوء ودخلت المطبخ عشان أهرب من التوتر وأشرب بق مية يبل ريقي الناشف.
ملحقتش أرفع الكوباية، لقيت خيال أسود بيقفل عليا مدخل المطبخ.
اتخضيت وشهقت، لقيت وائل داخل وبيقفل الباب وراه نص قفلة، وشه كان محتقن وعينيه مبرقة بجنون، قرب مني بخطوات سريعة وصوته كان فحيح واطي زي التعبان:
“أنتي اتجننتي يا بت أنتي؟! إيه اللي هببتيه ده؟! فاكرة نفسك هتعرفي تلعبي معايا ولا تستغفلي أخويا؟! الجوازة دي تفركشيها دلوقتي، تطلعي تقولي مش مرتاحة ومش موافقة… وإلا وقسماً برب العزة يا نور، صورك ورسايلك التلات سنين اللي فاتوا هخليهم فُرجة على شاشات العيلة كلها وأولهم طارق وباباكي!”
رجعت خطوة لورا بخوف، وضربات قلبي دقت في وداني، ولساني اتعقد قدام نبرة التهديد اللي متعودة تخوفني.
بس قبل ما أفتح بؤي بحرف، باب المطبخ اتفتح على آخره بضلفته وطاخ في الحيطة!
إيد عريضة قوية نزلت على كتف وائل من ورا وشدته لورا بقسوة خلته يترمي خطوتين لورا ويتخبط في رخامة المطبخ.
طارق… كان واقف وعينيه مشتعلة بجمر مش طبيعي. الغيرة والغضب كانوا محولين ملامحه الهادية لوحش كاسر. هو مش بس مضايق من حركات وائل، هو شاف قربه مني ومحاصرته ليا في المطبخ، والمنظر ده ولّع في صدره حريقة غيرة رجولية مبترحمش.