ابني أهان أكلي وقال: «ده حتى مش أكل… الخنازير بس اللي بتاكله» ج1 حكايات شروق خالد
“ده حتى مش أكل… الأكل ده الخنازير بس هي اللي بتاكله.”
الجملة وقعت على السفرة زي القلم.
الكل سكت.
كنت واقفة جنب المطبخ، ماسكة الطبق بإيدي، وببص لابني الوحيد، ياسين، وهو بيضحك قدام مراته وأهلها.
ابتسمت غصب عني وقلت:
“أنا آسفة يا ابني… ماكنتش أعرف إن الأكل مش عاجبكم.”
مراته، نادين، بصتلي من فوق لتحت وقالت بسخرية:
“إحنا مش متعودين على الأكل الفقير ده يا طنط. ياسين كان بيحكي لنا إنك بتطبخي له من وهو صغير… بس بصراحة، ما توقعتش إن مستواه وصل لكده.”
والدها ضحك وقال:
“يا ياسين، إنت وعدتنا إن العشا النهارده هيكون على مستوى العيلة.”
ابني حط المعلقة على الطبق وقال ببرود:
“ماما… كفاية بقى. أنا قلتلك مليون مرة ما تعمليش أكل لما يكون عندنا ضيوف.”
بصيت له.
“بس إنت اللي طلبت مني أعمل الأكلة دي.”
رد بسرعة:
“كنت بهزر.”
ضحكت ضحكة صغيرة، رغم إن قلبي كان بيتقطع.
“حاضر.”
خدت الطبق من قدامهم ومشيت ناحية المطبخ.
لكن قبل ما أدخل، سمعت نادين بتقول:
“هي لسه عايشة في الزمن القديم. فاكرة إن ابنها لسه طفل محتاج أكلها.”
ضحكوا.
قفلت باب المطبخ وفضلت واقفة وراه ثواني.
وبعدين نزلت دمعة واحدة على وشي.
مش عشان الأكل.
ولا عشان الإهانة.
عشان ابني.
أنا اللي ربيته لوحدي بعد وفاة أبوه.
أنا اللي اشتغلت في بيوت الناس عشان أدفع مصاريف مدرسته.
أنا اللي بعت دهبي عشان يدخل كلية محترمة.
وأنا اللي وقفت جنبه لما بدأ مشروعه الأول وفشل.
لكن واضح إن الفلوس لما دخلت حياته، أنا خرجت منها.
مسحت دموعي، وحطيت الطبق في التلاجة.
وقبل ما أخرج من المطبخ، عيني وقعت على ظرف بني صغير كنت مخبياه في درج قديم.
طلعته.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
قرأت أول سطر، فاختفت كل علامات الحزن من وشي.
“إلى السيدة فاطمة عبد الرحمن…”
وتحتها:
“نود إبلاغ حضرتك أن المحكمة قضت بأحقيتك الكاملة في ملكية…”
ماكملتش القراءة.
قفلت الظرف.
لأن اللي في الورقة كان سرًا ما يعرفوش عنه حاجة.
سر لو ظهر…
ابني مش بس هيعتذرلي.
هو وعيلته كلها هيتمنوا لو كانوا ما ضحكوش عليا الليلة دي.
خرجت من المطبخ بهدوء.
نادين كانت بتتكلم مع أمها، وياسين بيضحك.
لما شافني قال:
“ماما، إنتِ زعلانة؟”
ابتسمت.
“أنا؟ لا يا حبيبي.”