"ده حتى مش أكل... الأكل ده الخنازير بس هي اللي بتاكله." الجملة وقعت على السفرة زي القلم. الكل سكت. كنت واقفة جنب المطبخ، ماسكة الطبق بإيدي، وببص لابني الوحيد، ياسين، وهو بيضحك قدام مراته وأهلها. ابتسمت غصب عني وقلت: "أنا آسفة يا ابني... ماكنتش أعرف إن الأكل مش عاجبكم." مراته، نادين، بصتلي من فوق لتحت وقالت بسخرية: "إحنا مش متعودين على الأكل الفقير ده يا طنط. ياسين كان بيحكي لنا إنك بتطبخي له من وهو صغير... بس بصراحة، ما توقعتش إن مستواه وصل لكده." والدها ضحك وقال: "يا ياسين، إنت وعدتنا إن العشا النهارده هيكون على مستوى العيلة." ابني حط المعلقة على الطبق وقال ببرود: "ماما... كفاية بقى. أنا قلتلك مليون مرة ما تعمليش أكل لما يكون عندنا ضيوف." بصيت له. "بس إنت اللي طلبت مني أعمل الأكلة دي." رد بسرعة: "كنت بهزر." ضحكت ضحكة صغيرة، رغم إن قلبي كان بيتقطع. "حاضر." خدت الطبق من قدامهم ومشيت ناحية المطبخ. لكن قبل ما أدخل، سمعت نادين بتقول: "هي لسه عايشة في الزمن القديم. فاكرة إن ابنها لسه طفل محتاج أكلها." ضحكوا. قفلت باب المطبخ وفضلت واقفة وراه ثواني. وبعدين نزلت دمعة واحدة على وشي. مش عشان الأكل. ولا عشان الإهانة. عشان ابني. أنا اللي ربيته لوحدي بعد وفاة أبوه. أنا اللي اشتغلت في بيوت الناس عشان أدفع مصاريف مدرسته. أنا اللي بعت دهبي عشان يدخل كلية محترمة. وأنا اللي وقفت جنبه لما بدأ مشروعه الأول وفشل. لكن واضح إن الفلوس لما دخلت حياته، أنا خرجت منها. مسحت دموعي، وحطيت الطبق في التلاجة. وقبل ما أخرج من المطبخ، عيني وقعت على ظرف بني صغير كنت مخبياه في درج قديم. طلعته. فتحته. جواه ورقة واحدة. قرأت أول سطر، فاختفت كل علامات الحزن من وشي. "إلى السيدة فاطمة عبد الرحمن..." وتحتها: "نود إبلاغ حضرتك أن المحكمة قضت بأحقيتك الكاملة في ملكية..." ماكملتش القراءة. قفلت الظرف. لأن اللي في الورقة كان سرًا ما يعرفوش عنه حاجة. سر لو ظهر... ابني مش بس هيعتذرلي. هو وعيلته كلها هيتمنوا لو كانوا ما ضحكوش عليا الليلة دي. خرجت من المطبخ بهدوء. نادين كانت بتتكلم مع أمها، وياسين بيضحك. لما شافني قال: "ماما، إنتِ زعلانة؟" ابتسمت. "أنا؟ لا يا حبيبي." "أمال ليه ساكتة؟" قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه. "عشان فهمت حاجة النهارده." بصلي باستغراب. "إيه؟" قلت بهدوء: "إن الإنسان ساعات بيقضي عمره كله يدي... وفي لحظة واحدة يكتشف إنه كان بيدي للناس الغلط." وشلت إيدي من على كتفه. نادين ضحكت وقالت: "هو إحنا داخلين في دراما دلوقتي؟" بصيت لها. "لا يا بنتي." وسبت السفرة. "أنا بس بدأت أتعلم." في اليوم التالي، الساعة سبعة الصبح، رن جرس باب بيتي. فتحت. لقيت محامي واقف ومعاه رجلين من البنك. قال: "مدام فاطمة؟" "أيوه." مد إيده بملف. "مبروك." استغربت. "على إيه؟" ابتسم وقال: "حضرتك بقيتي المالكة القانونية لشركة النور للتطوير العقاري... وكل الأصول المسجلة باسمها." اتجمدت مكاني. "شركة النور؟" "أيوه." بصيت للشارع. كنت فاكرة إن السر انتهى. لكن اللي ماكنتش أعرفه إن ياسين، ابني، كان داخل على السفرة الليلة دي وهو مخبي عني أكبر خيانة ممكنة. لقد استخدم توقيعي القديم في أوراق نقل ملكية. وكان فاكر إني ست كبيرة، فقيرة، ومش فاهمة في الورق. لكن الورقة اللي وصلتني قبل شهر كانت أثبتت العكس. الشركة أصلًا كانت ملكي. والأغرب... إن أبوه كان سايبها باسمي قبل وفاته. ياسين ماكانش ابني الوحيد بس. كان المدير اللي أنا عينته بنفسي. وكان طول السنين دي بيسحب من الشركة فلوس من غير ما أعرف. وفي اللحظة اللي أهانني فيها قدام مراته وأهلها... كان هو نفسه واقف على حافة خسارة كل حاجة. بعد ساعتين، اتصل بي. "ماما؟" صوته كان متوتر. "أيوه يا ياسين." "إنتِ فتحتي الشركة؟" سكتُّ. "إنت عرفت منين؟" "ماما، إحنا لازم نتكلم." ابتسمت. "نتكلم؟" "آه." "عن إيه؟" سكت ثواني. ثم قال: "عن اللي حصل امبارح." قلت: "تقصد الأكل؟" "ماما، أنا آسف." "آسف على إيه؟" "على الكلام اللي اتقال." "مين قاله؟" سكت. قلت: "مراتك؟" "ماما..." "ولا أبوها؟" "أنا كنت غلطان." ضحكت بهدوء. "لا يا ياسين. إنت ماكنتش غلطان." "أمال إيه؟" قلت: "إنت كنت صريح." "صريح؟" "آه. لأول مرة من سنين، وريّتني أنت شايفني إزاي." سكت. ثم قال: "ماما، بالله عليك، ما تعمليش أي حاجة." هنا فهمت. هو مش خايف من زعلي. هو خايف من اللي أنا ممكن أعمله. قلت: "تعالى البيت." "دلوقتي؟" "دلوقتي." "ليه؟" قلت: "عشان عندي أكل ليك." سكت. ثم سأل بصوت مرتجف: "إيه الأكل؟" ابتسمت. "نفس الأكل اللي قلت عليه إنه للخنازير." وقلت قبل ما أقفل: "بس المرة دي... هتاكله لوحدك." بعد ساعة، دخل ياسين البيت. لكن المرة دي ماكانش داخل ابن البيت الغني. كان داخل رجلًا خائفًا. وراءه كانت نادين وأبوها. حطيت قدامهم الملف. نادين قالت: "إيه ده؟" قلت: "الحساب." ياسين فتح الملف. قرأ أول ورقة. وشه اصفر. قرأ الثانية. إيده بدأت ترتعش. وفي الثالثة... وقع على الكرسي. قال بصوت مبحوح: "ماما... إنتِ كنتِ عارفة؟" بصيت في عينيه. "عرفت كل حاجة." "من إمتى؟" "من يوم ما سمعتك بتقول لمراتك إن أمك مالهاش لازمة." نزل رأسه. قلت: "بس اللي حصل امبارح خلاني أتأكد." نادين صرخت: "إنتِ عايزة تعاقبينا؟!" بصيت لها. "لا." سكتُّ لحظة. "أنا بس هرجع لنفسي الحاجة اللي ضيعتها وأنا بربيكم." أبوها وقف وقال: "إنتِ فاكرة إنك تقدري تعملي حاجة؟" فتحت الباب. دخل اثنان من رجال الشرطة ومعهم المحامي. اتغيرت ملامحه. أما ياسين... ففضل ساكت. بصيت له آخر مرة وقلت: "أنا كنت مستعدة أسامحك على إهانتك." وسكت. "لكن السرقة؟" هز رأسه وهو يبكي: "ماما، أنا ما سرقتكيش." قلت: "أمال الفلوس اللي اختفت من الشركة راحت فين؟" ما ردش. لأن الرد كان موجودًا في الأوراق. كل تحويل. كل توقيع. كل جنيه. كل كذبة. وفي اللحظة دي، فهمت إن الطبق اللي أهانني بسببه... ماكانش هو الأكل الحقيقي. الأكل الحقيقي كان الكرامة. وأنا أخيرًا... استرديتها. أما ياسين، فقبل ما يخرج، وقف عند الباب وبصلي. "ماما..." رفعت عيني له. قال: "لو الزمن رجع... كنت هعمل كل حاجة بشكل مختلف." ابتسمت بحزن. "وأنا لو الزمن رجع..." سكتُّ. ثم قلت: "كنت هعلمك من بدري إن الفقر مش عيب." وبصيت للطبق اللي كان لسه على السفرة. "لكن قلة الأصل هي العيب الحقيقي." وأغلقت الباب. ولأول مرة من سنين... أكلت وجبتي وأنا مرتاحة. لأنها كانت أول وجبة... ما اتطبختش عشان أرضي حد. اتطبخت عشان أفتكر إن ليّا قيمة. وإن اللي يستهين بيك لمجرد إنك فقير... ممكن يكتشف متأخر جدًا إن أغلى حاجة عندك... كانت موجودة قدامه من البداية. حكايات شروق خالد في اليوم اللي بعده، صحيت على خبط شديد على باب البيت. فتحت، لقيت ياسين واقف قدامي. بس المرة دي ماكانش لوحده. كان معاه راجل في الخمسينات، لابس بدلة غالية، وواقف بثقة غريبة. أول ما شافني قال: "مدام فاطمة، أنا جاي أتكلم معاكي بالذوق قبل ما الموضوع يكبر." بصيت لياسين. "مين ده؟" ياسين رد بسرعة: "ده المستشار القانوني بتاع الشركة." ضحكت بسخرية. "الشركة؟" الراجل دخل خطوة وقال: "الشركة اللي حضرتك بتقولي إنها ملكك." قلت: "أنا مش بقول. الأوراق بتقول." ابتسم ابتسامة باردة. "الأوراق ممكن تتغير." سكتُّ. الجملة دي خلتني أقفل الباب وراهم. "اتفضلوا." دخلوا الصالة. حط المستشار حقيبته على الترابيزة وطلع ملف كبير. قال: "في شوية مستندات محتاجة توقيع حضرتك." بصيت للملف. "إيه المستندات دي؟" "تنازل مؤقت عن الإدارة." ضحكت. "مؤقت؟" "لحد ما الأزمة تعدي." بصيت لياسين. "إنت اللي طلبت منه ييجي؟" ما ردش. قربت منه. "بص في عيني." رفع عيني بالعافية. قلت: "إنت لسه بتسرق مني؟" وشه احمر. "أنا مش بسرقك يا ماما." "أمال إيه؟" "أنا بحاول أنقذ الشركة." "من إيه؟" سكت. هنا فهمت إن في حاجة أكبر. مسكت الملف وبدأت أقلب الصفحات. وفي آخر صفحة لقيت رقمًا جعل إيدي تتجمد. مبلغ ضخم جدًا. أكبر من كل اللي اتسرق قبل كده. رفعت عيني. "إيه ده؟" المستشار حاول ياخد الملف. "دي معلومات سرية." سحبت الملف منه. "أنا صاحبة الشركة. مفيش حاجة سرية عن فلوسي." ياسين قال: "ماما، اسمعيني." "لا." "لو ما دفعناش المبلغ ده خلال أسبوع، البنك هيحجز على كل حاجة." بصيت له طويلًا. "وليه الشركة عليها الدين ده؟" ما ردش. قلبت الصفحة. ثم الصفحة اللي بعدها. وفجأة شفت اسمًا. اسم نادين. رفعت عيني ببطء. "مراتك ليها علاقة بالقرض ده؟" ياسين اتوتر. "نادين مالهاش دعوة." قلت: "اسمها موجود هنا." المستشار تدخل: "هي كانت ضامنة فقط." ضحكت. "ضامنة؟" وبصيت لياسين. "إنت حطيت اسمها في قرض بملايين من غير ما تقول لي؟" صرخ: "كنت مضطر!" "ليه؟" "عشان أساعدها!" سكتُّ. في اللحظة دي، كل حاجة بدأت تركب في دماغي. الإهانات. الأكل. محاولته يخليني أتنازل. والفلوس اللي اختفت. قلت: "إنت ماكنتش بتحاول تنقذ الشركة." ياسين بصلي. "كنت بتحاول تنقذ مراتك." ما ردش. وهنا دخل صوت من خلف الباب. "وأنا كمان كنت بحاول أنقذه." كانت نادين. واقفة ووشها شاحب. بصيت لها. "إنتِ؟" دخلت ببطء. "أيوه." قلت: "قولي الحقيقة." ياسين وقف. "نادين، اسكتي." صرخت: "أنا تعبت من السكوت!" الكل سكت. نادين بدأت تبكي. "أبوكِ... كان عايز يهرب." بصيت لياسين. "مين؟" قالت: "ياسين." قلبي اتقبض. "يهرب من إيه؟" نادين مسحت دموعها. "من مصر." سكتُّ. "وليه؟" بصت لياسين. "لأنه كان بيخسر فلوس الشركة من سنين." صرخت: "إنتِ عارفة؟!" قالت: "كنت عارفة." "وسكتِ؟" "عشان كنت خايفة." "خايفة من إيه؟" بصت ناحية ياسين. "منه." ياسين اندفع ناحيتها: "إنتِ بتكدبي!" لكن قبل ما يوصل لها، وقف صوت المحامي: "كفاية." ثم فتح ملفًا صغيرًا كان في إيده. وقال: "في حاجة أهم من كل ده." بصيت له. "إيه؟" قال: "إحنا اكتشفنا تحويلات مالية لحساب خارجي." ياسين اتجمد. المحامي كمل: "والتحويلات دي مش باسم نادين." بصيت لياسين. ثم للمحامي. "باسم مين؟" فتح الورقة. وقال الاسم. حسيت إن الأرض اختفت من تحتي. الاسم كان... اسم شخص مات من سبع سنين. اسم أبو ياسين. زوجي. قلت بصوت ضعيف: "ده مستحيل." المحامي قال: "وده بالضبط اللي خلانا نشك إن في حد بيستخدم هويته." بصيت لياسين. كان ساكت. لكن عينيه قالت كل حاجة. اقتربت منه. "إنت كنت بتستخدم اسم أبوك؟" قال: "ماما..." صفعته. لأول مرة في حياتي. مش بسبب الفلوس. ولا بسبب الإهانة. لكن لأنني اكتشفت إن ابني ماكانش بيحاول ياخد مني اللي أملكه فقط. كان بيحاول يمسح آخر حاجة فاضلة من أبويا... ذكراه. قلت له وأنا ببكي: "أنا كنت فاكرة إنك ضيعت فلوسي." سكتُّ. "طلع إنك ضيعت نفسك." نادين انهارت في البكاء. والمستشار بدأ يجمع أوراقه. لكن قبل ما يخرج، رن هاتفه. بص للشاشة. وشه اتغير. قال: "مدام فاطمة..." "إيه؟" "في خبر لازم تعرفيه." "إيه؟" قال: "البنك وقف الحجز." استغربت. "ليه؟" نظر لياسين. ثم قال: "لأن شخصًا آخر سدد الدين بالكامل." تجمدت. "مين؟" قال: "شخص مجهول." وبعدين سلمني ورقة. "لكن فيه شرط واحد." فتحتها. وقرأت. ثم رفعت عيني ببطء. الشرط كان واضحًا: "يجب على السيدة فاطمة أن تبيع الشركة خلال 30 يومًا... لشخص محدد بالاسم." والاسم اللي كان مكتوب تحت الشرط... خلاني أنسى كل حاجة حصلت. لأن الشخص اللي دفع ديون الشركة... كان هو نفس الشخص اللي كنت فاكرة إنه مات من سبع سنين. حكايات شروق خالد بصيت للاسم مرة واتنين وتلاتة، وعيني كانت رافضة تصدق. "محمود عبد الرحمن..." همست بالاسم. محمود. جوزي. أبو ياسين. الراجل اللي دفنته بإيدي من سبع سنين. الراجل اللي عشت بعده وأنا مقتنعة إني فقدت كل حاجة. ياسين قرب مني وقال: "ماما... الورقة دي مزورة." بصيت له. "إنت عرفت منين؟" سكت. "قلت لك عرفت منين؟" ما ردش. المحامي أخد الورقة من إيدي وقال: "المشكلة إن الورقة مش مزورة." بصيت له. "يعني إيه؟" "يعني التوقيع الموجود هنا مطابق لتوقيع والد ياسين في مستندات الشركة." ضحكت من الصدمة. "بس محمود مات." المحامي قال: "إحنا محتاجين نتأكد من حاجة." "إيه؟" "هل حضرتك متأكدة إن الجثمان اللي اتدفن كان جثمان زوجك؟" حسيت نفسي مش قادرة أتنفس. رجعت خطوة لورا. "إنت بتقول إيه؟" ياسين صرخ: "إنت مجنون؟! أبويا مات قدامي!" المحامي بص له. "إنت متأكد؟" ياسين سكت. وأنا بدأت أفتكر. يوم وفاة محمود... المستشفى هي اللي اتصلت بيا. قالوا لي إن الحادث كان بشع. قالوا إن الجثمان متضرر جدًا. قالوا إن التعرف عليه كان صعب. قالوا إن ياسين كان موجود. لكن لما رجعت بذاكرتي... افتكرت حاجة غريبة. أنا ما شفتش وش محمود. ولا مرة. كان الجثمان مغطى بالكامل. والدفن تم بسرعة. وياسين هو اللي أصر إن كل حاجة تخلص في نفس اليوم. بصيت له. "ياسين..." بدأ يرتبك. "إيه؟" "إنت شفت أبوك يومها؟" "أيوه." "وشه؟" سكت. قلت: "جاوبني." "لا." قلبي وقع. "ليه؟" "الدكتور قال إن حالته..." "كدب." صوت نادين طلع فجأة. الكل بص لها. قالت وهي بتبكي: "ياسين كان عارف." ياسين لف ناحيتها. "نادين، اسكتي!" صرخت: "أنا مش هسكت تاني!" قربت منها. "قولي." قالت: "أبوك ما ماتش." سكت البيت كله. حتى أنفاسي توقفت. قلت: "فينه؟" نادين بصت لياسين. "هو اللي يعرف." ياسين بدأ يتراجع. "أنا ماعرفش حاجة." بصيت له. "ابني..." صوتي كان مكسور. "لو أبوك عايش... قولي." ما ردش. فقلت: "لو إنت مخبيه عني، أنا مش هسامحك طول عمري." دموعه نزلت. ولأول مرة شفت ابني بالشكل ده. ضعيف. منهار. وبصوت بالكاد مسموع قال: "هو كان عايز يهرب." "مين؟" "أبويا." "ليه؟" "كان عليه ناس." "ناس مين؟" سكت. قلت: "فلوس؟" هز رأسه. "تهديد؟" هز رأسه. "جري\مة؟" سكت. عرفت الإجابة. قلت: "إنت ساعدته؟" قال: "كنت عندي عشرين سنة." "ساعدته؟" "أيوه." "إزاي؟" قال: "هو طلب مني أقول لك إنه مات." اتجمدت. "وإنت وافقت؟" "كنت خايف." "وسبتني سبع سنين أعيط عليه؟" انهار. "كنت فاكر إنه هيرجع!" صرخت: "وما رجعش!" سكت. "ليه؟" قال: "لأنه كان بيراقبك." بصيت له باستغراب. "بيراقبني؟" "أيوه." "ليه؟" هنا تدخل المحامي. "عشان كان خايف إن الناس اللي بتطارده توصل لحضرتك." ثم حط ورقة على الترابيزة. "لكن فيه حاجة أخطر." فتحت الورقة. كانت صورة. صورة حديثة. رجل واقف قدام بوابة مستشفى. شعره أبيض. ووشه مرهق. لكن عينيه... عرفتهم فورًا. كانت عيون محمود. حطيت إيدي على فمي. "ده..." المحامي قال: "اتصور من أسبوع." ياسين غمض عينيه. وأنا همست: "أبو ياسين عايش." لكن المحامي قال: "أيوه." وسكت لحظة. ثم أضاف: "والأغرب..." "إيه؟" "إنه هو اللي طلب مقابلته." "مين؟" بص لياسين. "ابنك." ياسين رفع رأسه بسرعة. "مستحيل." المحامي أخرج هاتفه. وقال: "الرسالة وصلتني من ساعة." فتح الشاشة. وكان فيها سطر واحد: "قول لفاطمة إني مستنيها... ولو عايزة تعرف ليه ابني أهاني قدام الناس، تيجي لوحدها." حسيت ببرودة تسري في جسمي. بصيت لياسين. "إنت كنت بتكلمه؟" ما ردش. "من إمتى؟" سكت. "ياسين!" انهار وقال: "من سنة." صرخت: "سنة؟!" "أيوه." "وإنت كنت بتشوف أبوك طول السنة دي؟" هز رأسه. "أيوه." "وهو كان عايش وأنا بدفنه كل يوم؟" بدأ يبكي. "كان بيطلب مني ماقولكيش." مسحت دموعي. ثم قلت: "خلاص." ياسين رفع عينه. "خلاص إيه؟" أخدت الشنطة. "أنا هروح له." قال: "ماما، لأ." "ليه؟" "أبويا مش زي ما إنتِ فاكرة." وقفت. "يعني إيه؟" اقترب مني. وقال: "أبويا هو اللي بدأ كل حاجة." "كل إيه؟" "الشركة." "والديون؟" "أيوه." "والسرقة؟" "أيوه." "والفلوس اللي اختفت؟" هز رأسه. "أبويا هو اللي طلب مني أخدها." اتجمدت. "ليه؟" نظر لي في عيني. وقال: "عشان كان بيجهز حاجة." "إيه؟" بلع ريقه. "كان بيجهز يرجع ياخد الشركة منك." سكتُّ. ثم سألته: "وليه؟" ياسين قال: "لأن الشركة أصلًا..." وسكت. "أصلًا إيه؟" رفع عينه لي. "مش بتاعتك يا ماما." سكت البيت كله. ثم أضاف: "الشركة باسمك..." "لكن الفلوس كلها كانت أصلًا ملك أبويا." نظرت إليه. وفجأة فهمت إن الإهانة اللي حصلت على السفرة ماكانتشي بداية الحكاية. كانت مجرد أول خيط. والحقيقة اللي مستنياني عند محمود... ممكن تكون أخطر من أي حاجة تخيلتها. حكايات شروق خالد