حكايات شروق خالد

ياسين في البداية كان بيخاف منه، يتدارى في ضهري ويمسك في طرف قطعتي كل ما سيف يقرب منه.

كان سيف يبص لي بكسرة وعينيه مليانة دموع ويقولي:

“شايفة؟ خلتيه يخاف مني.. خليتي ابني يشوفني غريب!”

كنت بقرّب من ياسين، وأقعد على ركبتي قدامه وأقوله بهدوء: “ده بابا يا ياسين.. روح العب معاه.”

كنت بعمل كده مش عشانه، لكن عشان ضميري قدام ربنا، وعشان ابني ينشأ متزن وما يحسش بأي عقدة. بس القلوب مش بإيد حد.. الأطفال بالذات بيحسوا بالأمان مع اللي بيشيلهم ويمسح دموعهم وبيكون جنبهم في الوجع، مش اللي بيشوفوه ساعة واحدة كل أسبوع.

مع الوقت، سيف بدأ يتغير بجد.. بس بعد إيه؟

ساب الشغل الكتير، وحاول يقلل من اجتماعاته، وبقى يحاول بكل الطرق يستعرض قدامي إنه اتغير، وإن الشغل ما بقاش أولويته زي زمان.

وفي يوم من أيام الرؤية، بعد ما ياسين جري يلعب مع الأطفال، سيف قعد قدامي على الطاولة وقال بصوت مكسور:

“أميرة.. أنا سبت الشركة.. بعت حصتي للشركاء وفتحت مكتب صغير عشان أفضى. أنا بجد اتغيرت، عرفت إن الفلوس والمركز ما يسووش حاجة وأنا راجع كل يوم لبيت فاضي ما فيهوش صدى صوتك ولا ضحكة ابني. اديني فرصة واحدة أثبتلك.. نرجع نبتدي من جديد، عشان خاطر ياسين.”

بصيت له طويلة.. شفت في عينيه ندق حقيقي ورجاء إنسان اتعلم الدرس بعد فوات الأوان.

بس القلب لما بيموت فيه الشعور ناحية شخص، ما بيرجعش تاني، حتى لو الشخص ده بقى ملاك.

رديت عليه بابتسامة هادية خالية من أي كره أو غضب:

“سيف.. إنت اتغيرت عشان نفسك وعشان حسيت بالخسارة، وده شيء كويس ليك ولحياتك الجاية. بس أنا اتغيرت برضه.. أنا بقيت واحدة تانية خالص، واحدة ما تقدرش توثق فيك تاني، ولا تقدر تحس بالأمان معاك. الأمان اللي اتكسر وأنا لوحدي في طرقة المستشفى وبطني قدامي مش عارفة مين هيسندني لو وقعت.. ما ينفعش يترمّم بكلام أو بتغيير جه متاخر.”

سيف نزّل رأسه وبكى بصوت مسموع لأول مرة: “يعني ما فيش أي أمل؟”

“الأمل الوحيد يا سيف.. إنك تكون أب كويس لياسين في الساعة دي، وتحترم إن كل واحد فينا كمل طريقه. أنا سامحتك على كل اللي فات، بس المسامحة مش معناها الرجوع.”

سِبت الكرسي وقُمت، ناديت على ياسين، أخدته في حضني، ومشينا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *