حكايات شروق خالد
القاضي هز رأسه وقال له جملة واحدة هزت القاعة كلها:
“المستقبل يا أستاذ بيتبنى بالمشاركة والوجود في الأوقات الصعبة، مش بالفلوس اللي بتتنعى بيها بعد ما كل حاجة تتهد. الزوجة اللي قدرت تشيل حملها وتولد وتدير حياتها وأوراقها القانونية لوحدها طول الفترة دي، أثبتت للمحكمة إن وجودك من عدمه واحد.”
الحكم صدر بالطلاق للضرر، مع إثبات الحضانة الكاملة ليا، وفرض نفقة محترمة للصغير، مع تحديد مكان عام لرؤية الولد مرة واحدة في الأسبوع.
خرجت من باب المحكمة، وسيف كان ورايا بيمشي بسرعة عشان يلحقني قبل ما أركب التاكسي.
“أميرة! استني أرجوكي!”
وقفت وبصيت له.
كان شكله اتغير تماماً عن الراجل المغرور اللي كان فاكر إن فلوسه وشركته أهم من أي حاجة في الدنيا.
“إنتي كده ارتحتي؟ خربتي البيوت وطردتيني من حياتك؟”
ابتسمت له ابتسامة هادية جداً، وقلت له:
“أنا ما خربتش حاجة يا سيف.. إنت اللي بنيت بيتك على الهوا فاكر إن السقف مش هيقع. إنت اخترت شغلك واجتماعاتك، وأنا اخترت نفسي وابني.”
“وهتقولي لابنك إيه لما يكبر؟ هتقوليله حرمتيني من أباك؟”
رديت عليه بوضوح:
“هقوله إن أبه كان مشغول جداً وهو بيتخلق، فربنا طرده من حياتنا عشان يعلمنا إن اللي ما بيحضرش في الوجع.. ما يستاهلش يحضر في الفرح.”
ركبت التاكسي وقفت الباب.
ومن شباك العربية، شفته واقف في نص الشارع لوحده، في نفس المكان واللحظة اللي اكتشف فيها إنه خسِر كل حاجة.. مش عشان حد أذاه، بس عشان هو ما كانش موجود أصلاً.
رجعت بيتي، شيلت ابني بين إيديا، وبصيت له وقلت له:
“خلاص يا حبيبي.. كبرنا، وبقينا سند لبعض.”
#حكايات_شروق_خالدعدت الأيام والشهور، وابني “ياسين” بدأ يكبر قدام عيني.
كل خطوة بيخطوها، كل سنة بتطلع له، وكل كلمة جديدة بينطقها، كانت بالنسبة لي انتصار صغير، أثبتّ بيه لنفسي قبل أي حد إني قدرت أكون له الأب والأم مع بعض، وبدون ما أحتاج لمنّة ولا وجود حد كان شايفنا عبء عليه.
سيف كان بيتلتزم بمواعيد الرؤية في النادي الاجتماعي كل يوم جمعة.
كان بييجي قبل الميعاد بساعة، يفضل قاعد على الكرسي عينيه متعلّقة بالبوابة مستنينا ندخل.
كان بيجيب معاه لعب وأدوات وهدايا بآلاف الجنيهات، يعبي بيها الطاولة، فاكر إن الفلوس واللعب ممكن تعوّض الغياب أو تبني مشاعر بينه وبين طفل ما يعرفش عن ملامحه حاجة.